بقلم: منى حسن
الهولوكوست هي كلمة يونانية تعني(حرق القربان بالكامل) وكانت في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يقدم على سبيل التضحية للرب أصبح هذا المصطلح يستخدم للإشارة إلى عملية الإبادة التي ارتكبتها النازية ضد اليهود. وأصبح يوم ٢٧ يناير هو اليوم الذي يحى فيه ذكرى الهولوكوست وفي هذا اليوم بالتحديد يشارك اليهود حول العالم قصص وروايات مختلفة عن الهولوكوست وينشرون صور للناجين و يسردون قصص مختلفة ومتعددة حول ما تعرض له اليهود من اضطهاد ومعاناة على أيدي النظام الهتلري. ومع إحياء هذه الذكرى تحيا معها أيضاً رحلة البحث والمعرفة ووضع هذه الحادثة التاريخية تحت مجهر وتشريحها ومعرفة أسبابها وما حدث ولماذا حدث ولماذا هذه الإبادة لها النصيب الأكبر من ذاكرة التاريخ وغيرها فيض من التساؤلات تدور في ذهن الكثيرين عندما يقع على آذانهم كلمة الهولوكوست.

مناقشة مأساة الهولوكوست ليست وليدة هذه الأيام وإنما عدد من المؤرخين والكتاب ناقشوا هذه الحادثة ومنهم من كانت لديهم الجرأة للخروج من الحدود الفكرية المرسومة لهذه الحادثة وكان من يمتلك هذه الجرأة والشجاعة الفكرية عليه أن يتحمل تكاليفها وما يترتب على ذلك فمنهم من أتهم بأنه معادي للسامية ومنهم من رفعت ضدهم قضايا فقط لأنهم كانت لديهم الجرأة للتفتيش عن كواليس هذه الحادثة وأصبح التفكير خارج صندوق الهولوكوست هي جريمة توازي وتساوي مع من ارتكابها و يتم التعامل مع من يفكر خارج فلك الهولوكوست وكأنه نازي أخر ومعادي للسامية. في حين بعض من وضع هذه الحادثة التاريخية تحت المجهر والتعمق في تفاصيل هذه الحادثة وتشريحها كان من اليهود أنفسهم ومنهم أنتقد كيفية التعامل الحالي مع الهولوكوست وصورها على أنه ابتزاز بالآلام الضحايا وبالطبع هؤلاء الذين سولت لهم أنفسهم بخلق مناقشة علمية وموضوعية وارتداء ثوب الشجاعة لم تنقذهم من الإصابة بسهام المعاداة السامية.
فأصبح يتعامل بعض الرافضون لمناقشة الهولوكوست أو التعمق في جذور هذه الحادثة التاريخية بشئ من القدسية بل أقدس من الدين واليهودية نفسها فبأمكانك أن تناقش وتنتقد في الدين وهناك مساحة واسعة لذلك بكل حرية لكن التجرؤ على السيرة الهولوكوستية أو إعادة النظر فيها هي الحرام والممنوع والخط الأحمر وكل الجرم!
لا يمكننا إنكار الهولوكوست ومن ينكر ذلك لاعتبارات سياسية فعليه أن يعيد التفكير من جديد وفلترة عقله من التوجهات السياسة ليستطيع النظر لهذه الحادثة بعيون موضوعية وليست عيون منحازة بشكل صرف. لكن النقاش هو لماذا الهولوكوست لها النصيب الأكبر من الذاكرة التاريخية والذاكرة البشرية وفي تاريخ الإبادات فلم تكن الهولوكوست هي الإبادة الوحيدة التي حدثت في تاريخ الإنسانية وإنما التاريخ ذاخر وملئ بحوادث شبيها به بل بإعداد تفوق ذلك. في الهولوكوست هناك أمرين يتم التذكير بهم وهو أن اليهود وحدهم من اضطهدوا وأن عدد اليهود الذي قتلوا على أيدي النازية يقدر ب٦ مليون يهودي وهنا يجعلك تضع تساؤل هل اليهود وحدهم من عانوا من اضطهاد على أيدي الحكم الهتلري أم هناك آخرين كانوا شركاء اليهود؟ وهل المجرمين والمذنبين النازية فقط أم كان هناك شركاء في هذه الجريمة؟!
الإجابة نعم هناك شركاء مع القصة الهولوكوستية وهناك من عانوا مثل معاناة اليهود أيضاً فالنظام الهتلري كان يؤمن بنظرية التفوق العرقي وكان يريد خلق مجتمع خالي من العيوب وكان هناك مصطلح استخدمه زيجمونت باومان في كتابه الحداثة والهولوكوست يصف ما كان يقوم به الحكم النازي بعملية البستنة وذلك إشارة إلى لما كان يقوم به النظام الهتلري من خلق مجتمع مثالي فكرياً وجسدياً ويستطرد زيجمونت في وصفه لما كان يفعله الحكم النازي كان يرى اليهود والشيوعين والمعاقين والمثليين أنهم بمثابة حشائش ضارة يجب اقتلاعها من المجتمع الألماني فهي دخيلة وضارة ومن خلالها شاهد العالم عمليات الإبادة التي كانت ترتكب ضد هؤلاء فكانوا بمثابة قربان للنظام الهتلري ومن أجل أن يحقق مجتمع مثالي في بيئة مريضة!
أما فيما يتعلق بوجود شركاء للنازية فالإجابة نعم أيضاً هناك شركاء في الجريمة الهتلرية لكن ليسوا من الذين يرتدون الزي العسكري النازي وأنما ستتعجب قليلاً عندما تعرف أن الذين يحيون الذكرى أجدادهم كانوا شركاء في هذه الجريمة النازية نعم اليهود كانوا شركاء! ودون الجمع وأنما كانت فئة مسؤولة عن ذلك وهم المجالس اليهودية في ألمانيا كانت تساعد الشرطة الألمانية في اختيار وانتقاء من سيكون ضحية النازية وكان الواقع مجبرين وليس مخيرين في ذلك باعتبار أن تقديم مجموعة كبش فداء ستنقذ أرواح أخرى وهناك اعترافات من كانوا على اتصال بالنازية اعترفوا بذلك أثناء القبض عليهم منهم رودولف كاستنر وتم إغتياله بعد ذلك.
أصبح يتعامل بعض الرافضون لمناقشة الهولوكوست أو التعمق في جذور هذه الحادثة التاريخية بشئ من القدسية بل أقدس من الدين واليهودية نفسها فبأمكانك أن تناقش وتنتقد في الدين وهناك مساحة واسعة لذلك بكل حرية لكن التجرؤ على السيرة الهولوكوستية أو إعادة النظر فيها هي الحرام والممنوع والخط الأحمر وكل الجرم!
إذا كان العدد هو من يعطي قيمة للإنسان فعلينا إذن أن نفتش في التاريخ فهو ملئ بعمليات الإبادة سواء في التاريخ القديم أو الحديث والتي أرتكبت ضد فئة من الفئات من الأفارقة والعبودية وابادة الأرمن إلى إبادة الهنود الحمر أو في عصرنا الحالي من عمليات اضطهاد ضد المسلمين في الهند أو الكرديين أو ما لفظته الحروب والحروب الطائفية والأهلية من تشريد إلى لاجئين أو الملايين من الأطفال الذين يموتون بسبب الجوع والفقر هل ذلك ليس كافي لكي يتم النظر إليهم أيضاً أو إعطاء مساحة من ذاكرة التاريخ والذاكرة البشرية لتخليد ذكراهم أو ايجاد حلول لمن يعانون و يضطهدون في عصرنا الحالي؟!
إذا كنا نريد حقاً أحداث تغيير فعلينا أن نكون عادلين في مناقشتنا للتاريخ وللقضايا أن نكون موضوعيين في العرض أن لا نرسم حدود للدراسة والبحث ولا نصاب بالخوف والرعب والذعر عند فتح الصندوق الأسود لحادثة تاريخية أن ننظر للتاريخ والتعلم منه والعمل على منع تكرار إبادة جديدة أن نفلتر أنفسنا من الأنانية والعنصرية وتفضيل اضطهاد عن اضطهاد أن ننظر لقيمة الإنسان والنفس بقيمتها كهي دون تجزئة وليس بقيمتها العددية والتفوق العرقي.
أضف تعليق